مالك الإمام

بسم الله الرحمن الرحيم

                                             مالك بن أنس الإمام                         محمد ويلالي

* نسبه:

إمامدار الهجرة،وعالمالمدينة،وأحد أئمة المذاهب المتبوعة.وهو من تابعي التابعين.

هو مالك بنُ أنس بنِ مالك بن أبي عامر بن الحارث بن غَمْيانَ بنِ حنبلِ بنِ عمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح. ولا خلاف في أنه من ولد قحطان.

مدني الدار والمولد والنشأة.

* مولده:

قيل: ولد سنة تسعين، وقيل: سنة ثلاث وتسعين، وقيل: سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة خمس وتسعين، وقيل: سنة ست وتسعين، وقيل سنة سبع وتسعين، وقيل ولد في خلافة الوليد بن عبد الملك. قال القاضي عياض في المدارك:"والأشهر قول يحيى بن بكر: إن مولده كان سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، في خلافة سليمان بن عبد الملك بن مروان"، وشهد أربعة عشر خليفة.

ومن الطريف ما نقله القاضي عياض عن ابن نافع الصائغ والواقدي ومعن ومحمد بن الضحاك، أن أمه حملت به ثلاث سنين. وقال نحوَه بكار بن عبد الله الزبيري، وقال:"أنضجته والله الرحم".

وأنشد الطرماح:

تَضِنُّ بحملنا الأرحام حتى ***  تنضجنا بطون الحاملات

وروي عن الواقدي ـ أيضاً ـ أن حَمْلَ أمِّه به سنتان.

* وكان لمالك ابنان:يحيى ومحمد، وابنة اسمها فاطمة. وقال أبو عمر بن عبد البر:"كان لمالك أربعة من البنين: يحيى ومحمد وحماد وأم البهاء".

قال ابن شعبان:"ويحيى بن مالك يروى عن أبيه نسخة، وذُكر أنه روى الموطأ عنه باليمن".

وقال الزبير:"كان لمالك ابنة تحفظ علمه ـ يعني الموطأ ـ، وكانت تقف خلف الباب، فإذا غلِط القارئ نقرت الباب، فيفطن مالك فيرد عليه".

وكان ابنه محمد يجيء وهو يحدث وعلى يده باشق (اسم طائر، أَعجمي معرّب) ونعل كتب فيه، وقد أرخى سراويله، فيلتفت مالك إلى أصحابه ويقول:"إنما الأدب مع الله: هذا ابني وهذه ابنتي".

قال الفروي:"كنا نجلس عنده وابنه يدخل ويخرج ولا يجلسفيقبل علينا ويقول: إن مما يُهَوِّن عليَّ أن هذا الشأن لا يُوَرَّث، وأن أحداً لم يَخْلُف أباه في مجلسه إلا عبدَ الرحمن بنَ مفرج القرطبي".

* صفته وخلقه:

قال أبو عاصم:"ما رأيت محدثاً أحسن وجهاً من مالك".

وقال عيسى ابن عمر المديني: ما رأيت قط بياضاً ولا حمرة أحسن من وجه مالك، ولا أشد بياضَ ثوبٍ منه".

وقال الشافعي وغيره:"كان طويلاً، جسيماً، عظيم الهامة، أبيض الرأس واللحية، شديد البياض إلى الصفرة، أعين (واسع العين)، حسن الصورة، أصلع، أشم (عزيز النفس والجانب)، عظيم اللحية تامها، تبلغ صدره، ذات سعة وطول، وكان يأخذ إطار شاربه ولا يحلقه ولا يُحفِيه".

ووصفه أبو حنيفة بأنه أزرق أشقر.

وقال أبو العباس بن شريح القاضي:"الفراسة تدل على أن من هذه صفته كان عاقلاً".

وقال مصعب الزبيري:"كان مالك من أحسن الناس وجهاً، وأحلاهم عيناً، وأنقاهم بياضاً، وأتمهم طولاً، في جودة بدن".

* ملبسه وطيبه وحليته ومسكنه ومطعمه ومشربه:

قال محمد بن الضحاك:"كان مالك جميل الوجه، نقي الثوب رقيقه، يكره أخلاف اللباس".

وقال خالد بن خِداش:"رأيت على مالك طيلساناً طرازياً، وقلنسوة وثياباً مروية جياداً، وفي بيته وسائد، وأصحابه عليها قعود، فقلت له: يا أبا عبد الله، الذي أرى شيئاً حُدثته أم وجدت الناس عليه؟ قال: رأيت الناس عليه".

قال بشر بن الحارث:"دخلت على مالك فرأيت عليه طليساناً يساوي خمسمائة، قد وقع جناحاه على عينيه، أشبه شيء بالملوك".

قال الزبيري:"كان مالك يلبس الثياب العدنيةَ الجياد، والخراسانيةَ والمصريةَ المرتفعةَ البيضَ، ويتطيب بطيب جيد، ويقول: ما أحب لأحد أنعم الله عليه إلا ويرى أثر نعمته عليه، وخاصة أهل العلم. وكان يقول: أحب للقارىء أن يكون أبيض الثياب".

وقال التواضع في التقى والدين وليس في اللباس.

ومع ذلك كان يسكن بكراء إلى أن مات، وسأله المهدي: ألك دار؟ فقال: لا.

قال عتيق بن يعقوب: كان على باب مالك مكتوب:"ما شاء الله".

فقيل له في ذلك فقال:"قال الله:"ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله..."الآية، والجنة: الدار".

وقال ابن أبي حازم: قلت لمالك: ما شرابك يا أبا عبد الله؟ قال: في الصيف السكر، وفي الشتاء العسل.

وكان مالك يعجبه الموز ويقول:"لم يمسه ذباب، ولا يد أسود، ولا شيء أشبهُ بثمر الجنة منه، لا تطلبه في شتاء ولا صيف إلا ووجدته، قال الله: أكلها دائم وظلها".

قال ابن القاسم:"كان لمالك ـ رحمه الله تعالى ـ أربعمائة دينار يُتجر له بها، فمنها كان قوام عيشه ومصلحتُه".

* عقله وسمته وأدبه وحسن معاشرته وذكر شيء من شمائله.

وقال ابن مهدي:"ما رأتْ عيناي أحداً أهيب من هيبة مالك، ولا أتم عقلاً ولا أشد تقوى ولا أوفر دماغاً من مالك. وكان مالك لذلك يسمى "العاقلواتفقوا على أنه أعقل أهل زمانه".

وقال ابن وهب:"الذي تعلمنا من أدب مالك أكثرُ مما تعلمنا من علمه".

قال أحمد بن حنبل:"قال مالك: ما جالست سفيهاً قط".

وقال زياد بن يونس:"ورأيته كثير الصمت، قليل الكلام، متحفظاً للسانه".

وقال ابن المبارك:"كان مالك أشد الناس مدارة للناس وتركَ ما لا يعنيه".

* طلبه للعلم:

قال مطرف، قال مالك: قلت لأمي: أذهب فأكتب العلم؟ فقالت: تعال فالبس ثياب العلم.

فألبستني ثياباً مشمرة، ووضعت الطويلة على رأسي، وعممتني فوقها، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن.

وقال رحمه الله:"كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه".

 وقال ابن القاسم:"أفضى بمالك طلب العلم إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه، ثم مالت عليه الدنيا بعد".

وقال مالك:"كان لي أخ في سن ابن شهاب، فألقى أبي يوماً علينا مسألة، فأصاب أخي وأخطأت، فقال لي أبي: ألهتك الحمام عن طلب العلم. فغضبت، وانقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين". وفي رواية:"ثمان سنين لم أخلط بغيره". قال:"وكنت آتي ابن هرمز بكرة، فما أخرج من بيته حتى الليل".

قال ابن أبي زنبر:"سمعت مالكاً يقول: كتبت بيدي مائة ألف حديث".

وقال مالك في رواية أخرى:"شهدت العيد، فقلت: هذا اليوم يخلو فيه ابن شهاب، فانصرفت من المصلى حتى جلست على بابه، فسمعته يقول لجاريته: أنظري مَن على الباب؟ فنظرتْ، فسمعتها تقول: مولاك الأشقر مالك. قال: أدخليه. فدخلت. فقال: ما أراك انصرفت بعد إلى منزلك؟ قلت: لا". قال: هل أكلت شيئاً؟ قلت: لا. قال: فاطعم. قلت: لا حاجة لي فيه. قال: فما تريد؟ قلت: تحدثني. فحدثني سبعة عشر حديثاً، ثم قال: وما ينفعك إن حدثتك ولا تحفظها؟ قلت: إن شئتَ رددتها عليك، فرددتها عليه.

وفي رواية قال: هات. فأخرجت ألواحي. فحدثني بأربعين حديثاً. فقلت: زدني. قال: حسبك، إن كنت رويت هذه الأحاديث فأنت من الحفاظ. قلت: قد رويتها، فحبذا الألواح من يدي ثم قال: حَدِّثْ. فحدثته بها، فردها إلي وقال: قم، فأنت من أوعية العلم".

وقال مالك:"ساء حفظ الناس. لقد كنت آتي سعيد بن المسيب، وعروة، والقاسم، وأبا سلمة، وحميداً، وسالماً، وعَدَّدَ جماعة، فأدور فأسمع من كل واحد من الخمسين حديثاً إلى المائة، ثم أنصرف وقد حفظته كله، من غير أن أخلط حديث هذا، في حديث هذا".

وقال سفيان بن عيينة:"جلس للناس وهو ابن سبع عشرة سنة وعرفت له الإمامة".

* ورعه في أخذ الحديث:

قال ابن عينية ما رأيت أحداً أجود أخذاً للعلم من مالك.

وقال ابن أبي أويس: سمعت مالكاً يقول:"إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه، لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذه الأساطين، وأشار إلى المسجد، فما أخذت عنهم شيئاً، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان أميناً، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن".

وفي رواية ابن وهب عنه:"أدركت بهذه البلدة أقواماً لو استُسقيَ بهم القطر لسُقوا، قد سمعوا العلم والحديث كثيراً، ما حدثت عن أحد منهم شيئاً، لأنهم كانوا ألزموا أنفسهم خوف الله والزهد، وهذا الشأن ـ يعني الحديث والفتيا ـ يحتاج إلى رجل معه تقى وورع، وصيانة وإتقان، وعلم وفهم، فيعلم ما يخرج من رأسه وما يصل إليه غداً".

* توقيره لحديث رسول الله r:

وقال الزبير:"مر مالك بأبي الزناد وهو يحدث، فلم يجلس إليه. فلقيه بعد ذلك فقال له: ما منعك أن تجلس إلي؟. قال: كان الموضع ضيقاً، فلم أرد أن آخذ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قائم".

ووجه المهدي بغلة إلى مالك ليركبها ويأتيه، فرد البغلة وقال:"إني لأستحي من الله أن أركب في مدينة فيها جثة رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وأتاه ماشياً.

وقال ابن مهدي:"مشيت مع مالك يوماً إلى العقيق من المسجد، فسألته عن حديث فانتهرني".وفي رواية:"فالتفت إلي وقال لي:"كنتَ في عيني أجل من هذا، أتسألني عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي؟". فقلت: إنا لله، ما أُراني إلا وقد سقطت من عينه. فلما قعد في مجلسه بعدت منه، فقال:"ادن ها هنا".فدنوت. فقال:"قد ظننت أنا أدبناك، تسألني عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أمشي؟، سل عما تريد هاهنا".

وقال مطرف:"وكان مالك إذا أتاه الناس، خرجتْ إليهم الجارية فتقول لهم: يقول لكم الشيخ: تريدون الحديث أو المسائل؟، فإن قالوا: المسائل، خرج إليهم، فأتاهم، وإن قالوا: الحديث، قال لهم: اجلسوا، ودخل مغتسله، فاغتسل وتطيب، ولبس ثياباً جُدُداً، ولبس ساجه، وتعمم، ووضع على رأسه طويلة، وتلقى له المنصة، فيخرج إليهم وقد لبس، وتطيب، وعليه الخشوع، ويوضع عود، فلا يزال يبخر حتى يفرغ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم".

قال مصعب بن عبد الله:كان مالك إذا ذُكر النبي صلى الله عليه وسلم عنده، تغير لونه وانحنى، حتى يصعب ذلك على جلسائه. فقيل له يوماً في ذلك، فقال:"لو رأيتم لما أنكرتم علي ما ترون، كنت آتي محمد بن المنكدر، وكان سيد القراء، لا نكاد نسأله على حديث إلا بكى حتى نرحمَه، ولقد آتي جعفر بن محمد، وكان كثير المزاح والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم، اخضر واصفر"..

قال ابن أبي أويس:"كان مالك إذا جلس للحديث توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، ثم حدث. فقيل له في ذلك، فقال:"أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحدثَ به إلا على طهارة متمكناً". وكان يكره أن يحدث في طريق قائماً ومستعجلاً".

قال القاضي عياض: وقال بعضهم: حج المهدي، فدخل المدينة، فسار إلى مالك، وأظهر من بره وإعظامه وأمر ابنيه موسى وهارون أن يسمعا منه. فبعثوا إليه، فلم يصل إليهم، وأعلموا المهدي، فبعث إليه لَمْ يأتهم؟ فقال: يا أمير المؤمنين، العلم أهل لأن يوقر ويؤتى. قال: صدق، سيروا إليه. فلما حضروه قالوا له: اقرأ علينا. قال: إن هذا البلد إنما يُقرأ فيه على العالِم كما يَقرأ الغلام على المعلِّم، فإذا أخطأ فتاه. فانصرفوا عنه، وأعلموا المهدي. فبعث إليه.فقال: امتنعت أن تصير إليهم، فصاروا إليك، فامتنعت أن تقرأ عليهم. قال: يا أمير المؤمنين، سمعت ابن شهاب يقول: جمعنا هذا العلم من رجال في الروضة، وهم سعيد بن المسيب، وأبو سلمة، وعروة، والقاسم، وسالم، وخارجة، وسليمان، ونافع، ثم نقل عنهم ابن هرمز، وأبو الزناد، وربيعة، والأنصار، وبحر العلم ابن شهاب، وكل هؤلاء يُقرأ عليهم ولا يقرأون. قال المهدي اذهبوا فاقرأوا، ففي هؤلاء قدوة".

وقال مالك:"قال لي الرشيد: تواضعنا لعلمك فانتفعنا به، وتواضع لنا علم سفيان بن عيينة فلم ننتفع به".

* في هيبته ووقاره:

قال زياد بن يونس:"ما رأيت قط عالماً، ولا عابداً، ولا شاطراً، ولا والياً، أهيب من مالك رحمه الله تعالى".

وقال ابن الماجشون:"دخلت على أمير المؤمنين المهدي، فما كان بيني وبينه إلا خادمه، فما هبته هيبتي مالكاً".

وقال الشافعي:"ما هبت أحداً قط هيبتي مالك بن أنس حين نظرت إليه".

وقيل: كان الثوري في مجلسه، فلما رأى إجلال الناس له وإجلاله للعلم أنشد:

يدع الجواب فلا يراجع هيبــة *** والسائلون نواكس الأذقـان

نور الوقار وعز سلطان التقـى *** فهو المهيب وليس ذا سلطان

وقال الشافعي:"كان محمد بن الحسن إذا حدث بالعراق عن مالك، امتلأ منزله حتى يضيق بهم الموضع، وإذا حدثهم عن غيره من شيوخ الكوفة، لم يجبه إلا اليسير، فكان يقول: ما أعلم أحداً أسوأ ثناءً منكم على أصحابكم".

* اهتمامه بالسنة:

وقال معن بن عيسى: سمعت مالكاً يقول:"إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكلما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه".

وكان كثيراً ما يتمثل بقول الشاعر:

وخير أمور الدين ما كان سنة *** وشر الأمور المحدثات البدائـع

وقال أحمد بن حنبل:"إذا رأيت الرجل يبغض مالكاً فاعلم أنه مبتدع".

ولم يكم يحب الجدال ويقول:"الجدال في الدين بشيء". ويقول:"المراء والجدال في العلم، يذهب بنور العلم من قلب العبد". وقال:"إنه يقسي القلب ويورث الضغن".

وقصة الذي سأله عن استواء الله تعالى على العرش وشهورة.

وكان إذا جاءه بعض أهل الأهواء يقول:"أما أنا فعلى بينة من ربي، وأما أنت فشاك، فاذهب إلى مثلك فخاصمه"، ثم قرأ:"قل هذه سبيلي أدعو إلى الله..." الآية.

وقال ابن نافع وأشهب وأحدهما يزيد على الآخر.قلت: يا أبا عبد الله:"وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"، ينظرون إلى الله؟. قال: نعم، بأعينهم هاتين. فقلت له: فإن قوماً يقولون: لا يُنظر إلى الله، إن "ناظرة"، بمعنى "منتظرة إلى الثواب". قال: كذبوا، بل ينظر إلى الله، أما سمعت قول موسى عليه السلام:"رب أرني أنظر إليك"، أفترى موسى سأل ربه محالاً؟ فقال الله: لن تراني في الدنيا، لأنها دار فناء، ولا يُنظر ما بقي بما يفنى، فإذا صاروا إلى دار البقاء، نظروا بما بقي إلى ما بقي. وقال الله:"كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون".

* عبادته وورعه:

قالت فاطمة بنت مالك:"كان مالك يصلي كل ليلة حزبه، فإذا كانت ليلة الجمعة أحياها كلها".

وقال أبو مصعب:"كان مالك يطيل الركوع والسجود في ورده، وإذا وقف في الصلاة كأنه خشبة يابسة، لا يتحرك منه شيء".

وقالت خادمه:" قلما يصلي الصبح إلا بوضوء العتمة".

وقال بعضهم:"رأيت مالكاً صامتاً لا يتكلم ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً، إلا أن يكلمه إنسان فيسمع منه ثم يجيبه بشيء يسير. فقيل له في ذلك فقال وهل يكب الناس في جهنم إلا هذا، وأشار إلى لسانه".

* تواضعه واستشارته:

قال مالك:"ينبغي للرجل إذا خول علماً، وصار رأساً يشار إليه بالأصابع أن يضع التراب على رأسه، ويمتهن نفسه إذا خلا بها، ولا يفرح بالرئاسة".

وقال:"تعلموا الحلم قبل العلم".

وقال ابن وهب: سمعته يقول:"ما زهد أحد في الدنيا إلا أنطقه الله بالحكمة".

وقال خالد بن حميد: سمعته يقول:"عليك بمجالسة من يزيد في علمك قولُه، ويدعوك لحال الآخرة فعلُه، وإياك ومجالسة من يعللك قوله، ويعيبك دينه، ويدعوك إلى الدنيا فعله".

قال ابن وهب: قال لنا مالك يوماً:"دعاني الأمير في الحداثة أن أحضر المجلس، فتأخرت حتى راح ربيعة فأعلمته وقلت لم أحضر حتى جئت أستشيرك".

فقال ربيعة: نعم. قال ابن وهب فقلت: لو لم يقل لك احضر لم تحضر؟. قال:"يا أبا محمد، لا خير فيمن يرى نفسه في حالة لا يراه لها أهلاً".

قال مالك:"ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس، حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل، وأهل الجهة من المسجد، فإن رأوه لذلك أهلاً جلس. وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخاً من أهل العلم: إني لموضع لذلك".

ومن علامات تواضعه، أن أبا جعفر قال له:"إني عزمت أن أكتب كتبك هذه نسخاً، ثم أبعثَ إلى كل مصر من أمصار المسلمين بنسخة آمرهم بأن يعملوا بما فيها ولا يتعدوها إلى غيرها من هذا العلم المحدَث، فإنني رأيت أَصْلَ العلم روايةَ أهل المدينة وعملهم". فقلت:"يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث وروايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به ودالوا له من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وإنَّ ردَّهم عما اعتقدوا شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم". فقال:"لو طاوعتني على ذلك لأمرت به".

* ثناء العلماء عليه:

قال سفيان بن عيينة لبعضهم:"أتقرنني بمالك؟ ما أنا وهو إلا كما قال جرير:

وابن اللبون إذا ما لُزَّ في قرن *** لم يستطع صولة البزل القناعيس"

ثم قال:"ومن مثل مالك؟ متبع لآثار من مضى، مع عقل وأدب".

مع أن ابن عيينة أحد أقطاب العلم، قال فيه الشافعي:"العلم يدور على ثلاثة: مالك، والليث، وابن عيينة". وقال:"لولا مالك وابن عيينة، لذهب علم الحجاز".

وقال الشافعي:"إذا جاءك الأثر عن مالك، فشد به يدك".

وقال:"إذا ذكر العلماء، فمالك النجم.. ولم يبلغ أحد في العلم مبلغ مالك لحفظه وإتقانه وصيانته.. ومن أراد الحديث الصحيح فعليه بمالك". وقال:"مالك بن أنس معلمي.. وما أحد أمن علي من مالك..وعنه أخذنا العلم، وإنما أنا غلام من غلمان مالك".

وقال:"جعلت مالكاً حجة فيما بيني وبين الله".

وكان وهيب لا يعدل بمالك أحداً، ويقول:"مالك أمان لمن أخذ عنه من الأنام".

وقال ابن المبارك:"لو قيل لي اختر للأمة إماماً، اخترت لها مالكاً".

وسئل ابن مهدي: من أعلم: مالك أو أبو حنيفة؟ فقال:"مالك أعلم من أستاذي أبي حنيفة". وقال:"الثوري إمام في الحديث، وليس بإمام في السنة، والأوزاعي إمام في السنة، وليس بإمام في الحديث، ومالك إمام فيهما".

قال ابنالأثير:"كفىمالكاشرفا أنالشافعيتلميذه،وأحمدَتلميذالشافعي،وكفىالشافعيشرفا أنمالكاشيخه، وأماأبو حنيفة،فذكر غير واحد أنه لقيمالكاوأخذ عنه شيئا من الحديث،فهو إذاً شيخ الكل، وإمام الأئمة، وكلهم على هدى وتقى وعلم وورع وزهد"

* تحريه في الحديث:

قال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول:"إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة، فما اتُّفق لي فيها رأي إلى الآن".

وقال سحنون: قال مالك يوماً:"اليوم لي عشرون سنة أتفكر في هذه المسألة".

وقال ابن مهدي:سمعت مالكاً يقول:"ربما وردت علي المسألة، فأسهر فيها عامة ليلي".

وقال ابن عبد الحكم:"كان مالك إذا سئل عن المسألة قال للسائل: انصرف حتى أنظر فيها. فقلنا له في ذلك، فبكى وقال: إني أخاف أن يكون لي من السائل يومٌ وأي يوم".

قال القاضي عياض: وقال بعضهم:"لكأنما مالك ـ والله ـ إذا سئل عن مسألة، يعرض نفسه قبل أن يجيب على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب".

وقال ابن وهب:"كان مالك يقول في أكثر ما يسأل عنه: لا أدري".

وقال الهيثم بن جبيل:"شهدت مالكاً سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنين وثلاثين: لا أدري".

وقال ابن أبي أويس:"سئل مالك مرة عن نيف وعشرين مسألة فما أجاب منها إلا في واحدة. وربما يسأل عن مائة مسألة فيجيب منها في خمس أو عشر، ويقول في الباقي لا أدري".

قال ابن مالك: لما دفنا مالكاً، دخلنا منزله، فأخرجنا كتبه، فإذا فيها سبع صناديق من حديث ابن شهاب، ظهورها وبطونها ملأى، وعنده فناديق أو صناديق من كتب أهل المدينة، فجعل الناس يقرأون ويدعون ويقولون: رحمك الله يا أبا عبد الله، لقد جالسناك الدهر الطويل، فما رأيناك ذاكرت بشيء مما قرأناه".

وعن ابن إسحاق بن بابين:"وجدنا في تركة مالك صندوقين مقفولين، فيهما كتب، فجعل أبي يقرأها ويبكي ويقول: رحمك الله إنك كنت تريد بعملك الله".

وذكر عتيق بن يعقوب أنه دخل منزل مالك بعد موته مع أبيه، ففتح صناديق مملوءة كتباً، فقرأها، فذكر نحوه. قال: ثم فتح صندوقاً آخر فأخرج منه اثني عشر ألف حديث للزهري، وفتح آخر، فأخرج منه سبعة صناديق، ظهورها وبطونها من حديث أهل المدينة، فما رأيت فيها شيئاً مما ذاكر به أصحابه في حياته".

قال الشافعي: قيل لمالك: عند ابن عيينة أحاديث ليس عندك. فقال:"إذا أحدث الناس بكل ما سمعت، إني إذاً أحمق". وفي رواية:"إني أريد أن أضلهم إذاً، ولقد خرجت مني أحاديث، لوددت أني ضُربت بكل حديث منها سوطاً، ولم أحدث بها".

وقال:"عندي أحاديث، لو ضُرب رأسي بالسوط ما أخرجتها أبداً".

وقال ابن عيينة:"كان مالك لا يبلغ الحديث إلا صحيحاً، ولا يحدث إلا من ثقة".

وقال الشافعي:"كان مالك إذا شك في الحديث طرحه كله".

قال ابن المعدل:قيل لمالك: إن قريشاً تقول: إنك لا تذكر في مجلسك أباءها وفضائلها. فقال مالك:"إنما نتكلم فيما نرجو بركته".

* كتبه:

أشرفها وأشهرها كتابه الموطأ، الذي ألفه في أربعين سنة. يضم 1720 حديثاً: المسند منها 600، والمرسل 222،والموقوف 612، ومِن قول التابعين 285. وقد جمع الأستاذ محمد فؤادعبد الباقي ما في النسخ المختلفة، فبلغت أحاديثالموطإ"1852"حديثـًا.

ومنهم من قال:"لا يوجد فيه حديث ضعيف إلا حديثاً واحداً،  هو حديث عيسى عليه السلام مع المعلم (أبو جاد)". وقد استخرج منه الشيخ "الألباني" ـ رحمه الله ـ  بضعةأحاديث ضعيفة.

وهو أول كتاب حديث وصل إليناكاملاً ومرتبًا على أبواب العلم.

قال ابن مهدي:"ما كتاب بعد كتاب الله أنفع للناس من الموطإ".

وقال الشافعي:"ما في الأرض كتاب من العلم أكثر صواباً من كتاب مالك". وهذا القول قبل ظهور صحيح البخاري.

وقال:"إذا جاء الأثر من كتاب مالك فهو الثريا".

قال القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي:"الموطأ هو الأصل واللباب، وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب، وعليهما بنى الجميع، كمسلم والترمذي".

وقال البخاري رحمه الله:"أصح الأسانيد: مالكعن نافع عن ابن عمر رضي اللهعنهما". وكان البخاري يسمي هذا الإسناد بسلسلة الذهب.

ومن تآليفه: رسالته إلىابن وهبفي القدر والرد علىالقدرية. قالالقاضي عياض:"هي منأجل الكتب في هذا الباب، وتدل على سعة علمه بهذا الشأن".ومنها كتابه في النجوم وحسابدوران الزمان ومنازل القمر، وهو كتابحسن مفيد اعتمد عليه الناس في هذا الباب وجعلوه أصلا، ومنها رسالته فيالأقضية، كتب بها إلى بعض القضاةعشرة أجزاء، ورسالته إلىابن غسانفي الفتوى، ورسالته إلىهارون الرشيدفي الأدب والمواعظ ،ومنها كتابه في التفسير لغريب القرآن ، ومنها رسالته إلىالليثفي إجماع أهلالمدينة. ومنها مجموعة رسائل فقهية رويت عنه، بلغت نحو 36 ألف مسألة، وسميت بالمدونة الكبرى.

* محنته:

قال الواقدي:"لما سود مالك، وسُمع منه، وقبل قوله، حسده الناس وبغوا عليه، فلما ولى جعفر بن سليمان على المدينة، سعوا به إليه، وأكثروا عليه عنده، وقالوا: لا يرى أيمان بيعتكم هذه شيئاً، ويأخذ بحديث ثابت الأحنف في طلاق المكره أنه لا يجوز. فغضب جعفر، ودعا به، فاحتج عليه فما رفع إليه، ثم جره ومده، فضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت كتفه". وفي رواية عنه:"ومدت يداه حتى انخلع كتفاه".

وقال الحُنيني:"بقي مالك بعد الضرب مطابق اليدين لا يستطيع أن يدفعهما، وارتُكب منه أمر عظيم، فو الله لمالك بعد ذلك الضرب في رفعة في الناس وعلو وإعظام، حتى كأنما كانت تلك الأسواط حلياً حلي بها".

ويرى ابن بكير أنه ما ضرب إلا في تقديمه عثمان على علي، فسعى به الطالبيون حتى ضرب.

* وفاته:

وأما وفاته، فكانت  في ربيع الأول، سنة تسع وسبعين ومائة، بالمدينة النبوية.

 قال بكر بن سليمان الصواف: دخلنا على مالك بن أنس في العشية التي قبض فيها، فقلنا: يا أبا عبد الله، كيف تجدك؟ قال: ما أدري ما نقول إلا أنكم ستعاينون غداً من عبد الله من لم يكن في حساب".

وقيل إنه تشهد ثم قال:"لله الأمر من قبل ومن بعد".

وأنشدوا لأبي المعافى في مالك:

 ألا إن فقد العلم في فقد مالـك *** فلا زال فينا صالح الحال مالـك

   فلولاه ما قامت حقوق كثيـرة *** ولولاه لانسدت علينا المسالــك

    يقيم سبيل الحق سراً وجهـرة *** ويَهدي كما تَهدي النجوم الشوابك

  عشونا إليه نبتغي ضـوء نـاره *** وقد لزم العيَّ اللجوجُ المماحـــكُ

                            فجاء برأي مثلـه يقتـدى بــه *** كنظم جمــان زينـــته السبائـــك

 

 

قراءة 1210 مرات