مقال حول الضحك

موضوع الكلمة:الضحك

 

ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لاالاه الا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَآل عمران

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )النساء

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) الأحزاب

أما بعد فموضوع كلمتي أيها الإخوة الكرام سيكون إن شاء الله حول الضحك وسأتطرق إليه من خلال المحاور التالية :

1-   تعريف الضحك

2-   ضحك الله تعالى

3-   ضحك الرسول والأنبياء صلوات الله عليهم

4-   ضحك الصحابة

5-   الضحك والطب النفسي

6-   قول العلماء في الضحك

7-   خلاصة

 

أما تعريف الضحك فهومصدرضحِكَويقال ضحِكَ على وضحِكَ من يَضحَك، ضِحْكًا وضَحِكًا وضَحْكًا، فهو ضاحك، والمفعول مضحوك عليه.

ضحِك الشَّخصُ :انبسط وجهُه وانفرجت شفتاه وبدت أسنانُه وأحدث أصواتًا مُتقطِّعة.

كما قال الله سبحانه وتعالى في الضحك : (وجوه يومئذٍ مسفرة ضاحكةٌ مستبشرة) عبس.وللضحك معان كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ضحِك السَّحابُ: برق وضحِكت الأرضُ: أخرجت نباتَها وزهرَها.

 

ومراتب الضحك ثلاثة

         - الأولى: وهي التبسم وهي ما كان بلا صوت، بل مجرد إنفراج الفم

         - الثانية: الضحك وهو التبسم المصحوب بصوت خفيف

         - الثالثة: الضحك بصوت عالٍ بحيث يسمعه هو وجيرانه ومن بَعدُ فهو القهقهة

ويُطلق على التبسم ضحكا كما ورد في الحديث ( ما كان ضحك النبيإلاّ تبسماً ).

وبذلك يكون الضحك أعمُّ من التبسم.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد : وللضحك أسبابٌ عديدة هذا أحدها وهو الضحك مما يتعجب منه ويُستندر. الثاني: ضحك الفرح: وهو أن يرى ما يسره أو يباشره والثالث: ضحك الغضب: وهو كثيراً ما يعتري الغضبان إذا اشتد غضبه، وسببه تعجب الغضبان مما أورد عليه الغضب، وشعور نفسه بالقدرة على خصمه، وأنه في قبضته، وقد يكون ضحكه لملكه نفسه عند الغضب وإعراضه عمن أغضبه، وعدم اكتراثه به.ومن المناسبات التي تبسم فيها النبي صلى الله عليه وسلم تبسم المغضب قصة كعب بن مالك رضي الله عنه لما جاءه متخلفاً بعدما رجع النبي عليه الصلاة والسلام من الغزو، قال كعب : (فلما رآني تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المغضب- صحيح مسلم كتاب التوبة رقم  2769وصحبح البخاري كتاب المغازي رقم 4156) فإذاً: التعبير عن الغضب يكون أحياناً بالابتسامة.

والضحك من خصائص الإنسان فالحيوانات لا تضحك؛ لأن الضحك يأتي بعد نوع من الفهم والمعرفة لقول يسمعه، أو موقف يراه، فيضحك منه.

والإسلام بوصفه دين الفطرة لا يتصور منه أن يصادر نزوع الإنسان الفطري إلي الضحك والانبساط بل هو على العكس يرحب بكل ما يجعل الحياة باسمة طيبة، ويحب للمسلم أن تكون شخصيته متفائلة باشة، ويكره الشخصية المكتئبة المتطيرة، التي لا تنظر إلي الحياة والناس إلا من خلال منظار قاتم أسود.

وقد جائت كلمة الضحك في عشرة مواضع من القرآن منها الآية السالفة الذكر والآيتين التي في سورة المطففين (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ)  (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُون(.

هذا فيما يخص الضحك وأنواعه وأسبابه.أما ضحك الله تعالى فهو صفة من صفاته وتأويله بالرضا تأويل باطل، فإنه عز وجل يضحك ، كما جاء في أحاديث كثيرة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيقاتل في سبيل الله فيستشهد) رواه البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه أحمدفي المسند : (أفضل الشهداء الذين يقاتلون في الصف الأول فلا يلفتون وجوههم حتى يُقتلوا، أولئك يتلبطون في الغرف العلا من الجنة، يضحك إليهم ربك، فإذا ضحك ربك إلى عبدٍ في موطن فلا حساب عليه(إلى غير ذلك من النصوص الشرعية التي فيها إثبات الضحك، وهو صفة لله عز وجل يجب إثباتها له كما يليق بجلاله وعظمته، ولا يجوز تحريفها ولا اللعب بها، ولا يقال : الضحك بمعنى الرضا، صحيح أن الله إذا ضحك من شيء فهو يدل على رضاه سبحانه وتعالى، لكن ليس الضحك هو الرضا، وإنما من آثار صفة الضحك الرضا.فإذا رأيت في كلام بعض المؤلفين تفسير ضحك الله عز وجل بأنه الرضا فاعلم بأنه تأويلٌ منبوذ، وأنه تحريفٌ في الواقع، وقد جاء في الحديث الصحيح أيضاً: (إن الله سبحانه وتعالى ينشئ السحاب، فينطق أحسن النطق، ويضحك أحسن الضحك) وقد فسَّره ابن كثير رحمه الله في تفسيره لما تعرض للحديث الذي رواه أحمد هذا بأن نطق السحاب وضحكه هو البرق والرعد (محمد صالح المنجد).

 

وأما المواقف التي ضحك فيها النبي صلى الله عليه وسلم فنذكر منها :

فقد جاء في صحيح البخاري في كتاب الرقائق عن عبد الله بن مسعود رضي الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا رجل يخرج من النار كبوافيقول الله اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى فيقولاذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى فيقول اذهب فادخلالجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا فيقول تسخر مني أو تضحكمني وأنت الملك(قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدتنواجذهوكان يقول ذاك أدنى أهل الجنة منزلة.

وكذلك من الأحاديث التي كان الضحك فيها معبراًُ عن شيءٍ مهم، ولم يكن ليضحك النبي عليه الصلاة والسلام عبثاً، ما جاء في صحيح البخاري في كتاب التوحيد: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (جاء حبر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنه إذا كان يوم القيامة جعل الله السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك .. أنا الملك. فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يضحك حتى بدت نواجذه تعجباً وتصديقاً لقوله) لقول هذا الحبر اليهودي. فكان ضحك النبي عليه الصلاة والسلام هنا تعجباً وتصديقاً للحبر.

ومن البشائر التي أضحكت النبي عليه الصلاة والسلام الفرج الذي جاء بعد حادث الإفك، بعد الغم العظيم، والهم الطويل، والعذاب والأذى الذي لقيه النبي صلى الله عليه وسلم من قبل المنافقين.. شهر كامل هو وأهل بيته يعيشون في شدة وغم، أخذه ما كان يأخذه من البرحاء لما نزل الوحي حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق -اللؤلؤ- في يومٍ شات، فلما سُري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، وهذا ضحك استبشار وفرحة بالوحي الذي جاء مفرجاً للهم العظيم الذي تراكم طيلة هذه الفترة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آل بيته، فكان أول كلمةٍ تكلم بها أن قال لـعائشة : (احمدي الله، فقد برئك.. ) والحديث في صحيح البخاري - كتاب المغازي.

 يقول زيد بن ثابت وقد طلب إليه أن يحدثهم عن حال رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلي فكتبته له، فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، وقال: فكل هذا أحدثكم عن رسول الله صلي الله عليه وسلم. رواه الطبراني بإسناد حسن كما في مجمع الزوائد 9/17. وقد وصفه أصحابه بأنه كان من أفكه الناسكما جاء في كنز العمال برقم 18400.

ومن ضحك الأنبياء ضحك آدم عليه السلام كما جاء في حديث المعراج في صحيح البخاري- كتاب الصلاة، (فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل يساره بكى فقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت لجبريل من هذا قال هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى) .

و من ضحك الصحابة ضحك فاطمة رضي الله عنها فقد أسر لها النبي عليه الصلاة والسلام حديثاً فبكت لما أخبرها أن أجله قريب، وضحكت لما أخبرها أنها سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء أهل الجنة، وأنها أول أهل بيته لحاقاً به، فضحكت فرحاً رضي الله عنها. صحيح البخاري-كتاب المناقب.

روى الزبير بن بكار عن النعيمان بن عمرو الأنصاريعددًا من النوادرالطريفة في كتاب "الفكاهة والمرح" منها : قال: وكان لا يدخل المدينة طُرفة إلا اشتري منها، ثم جاء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبها يطالب النعيمان بثمنها، أحضره إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قائلا: أعط هذا ثمن متاعه، فيقول: "أو لم تهده لي" ؟ فيقول: إنه والله لم يكن عندي ثمنه، ولقد أحببت أن تأكله، فيضحك النبي الله عليه وسلم ، ويأمر لصاحبه بثمنه. أخرجه ابن عبد البر في " الاستيعاب " (4/90)، وابن حجر في "الإصابة" ( 6/464) .

 

ومن الطرائف أن صحابيا آخر من أهل الفكاهة والمزاح ، استطاع أن يوقع النعيمان في بعض ما أوقع فيه غيره من « المقالب » كما في قصة سويبط بن حرملة معه، وكان ممن شهد بدرا، قال ابن عبد البر في " الاستيعاب " في ترجمة سويبط رضى الله عنه : وكان مزاحا يفرط في الدعابة، وله قصة ظريفة مع النعيمان وأبى بكر الصديق رضى الله عنهم، نذكرها لما فيها من الظرف، وحسن الخلق.عن أم سلمة قالت : خرج أبو بكر الصديق رضى الله عنه في تجارة إلى بصرى قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بعام، ومعه النعيمان وسويبط بن حرملة، وكانا قد شهدا بدراً، وكان النعيمان على الزاد، فقال له سويبط - وكان رجلا مزاحا - : أطعمني فقال : لا حتى يجئ أبو بكر رضي الله عنه، فقال : أما والله لأغيظنك، فمروا بقوم فقال لهم سويبط : تشترون منى عبداً ؟ قالوا : نعم، قال : إنه عبد له كلام، وهو قائل لكم : إني حر، فإن كنتم إذا قال لكم هذه المقالة تركتموه، فلا تفسدوا علي عبدي، قالوا : بل نشتريه منك، قال : فاشتروه منه بعشر قلائص، قال : فجاءوا فوضعوا في عنقه عمامة أو حبلا، فقال النعيمان : إن هذا يستهزئ بكم، وإني حر، لست بعبد، قالوا : قد أخبرنا خبرك، فانطلقوا به، فجاء أبو بكر رضي الله عنه، فأخبره سويبط فأتبعهم، فرد عليهم القلائص، وأخذه , فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه قال : فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها حولا. مسند ابن راهويه :ج 4 / ص 98.

 

ومن الناحية النفسية والاجتماعية فإن الضحك عادة ما يعكس الشعور براحة البال والثقة بالنفس، وقدرة الإنسان علي مسايرة الحياة من حوله، فكما أن تعبيرات الكآبة والصرامة الزائدة تؤثر سلبياً علي الفرد نفسه وعلى من حوله، فإن الابتسام والضحك ينشر الإحساس بالسعادة والبهجة بين كل من نتعامل في محيطهم ، فقد ثبت أن المشاعر الإنسانية لها خاصية الانتقال فيما يشبه العدوى، فالناس عادة ما يحاكون من حولهم ويتأثرون بهم.

ولا يقتصر تأثيرالضحك الإيجابي على الحالة النفسية للإنسان بل يمتد إلى وظائف الجسم الداخلية، فقد ثبت أن الضحك يساعد علي زيادة الأكسجين الذي يصل إلى الرئتين، وينشط الدورة الدموية، ويساعد علي دفع الدم في الشرايين.

 

ومما أورده أهل العلم في الضحك نذكر كلام الإمام الماوردي في كتابه أدب الدنيا والدين :

وَأَمَّا الضَّحِكُ فَإِنَّ اعْتِيَادَهُ شَاغِلٌ عَنْ النَّظَرِ فِي الامُورِ الْمُهِمَّةِ، مُذْهِلٌ عَنْ الْفِكْرِ فِي النَّوَائِبِ الْمُلِمَّةِ. وَلَيْسَ لِمَنْ أَكْثَرَ مِنْهُ هَيْبَةٌ وَلاَ وَقَارٌ، وَلاَ لِمَنْ وُصِمَ بِهِ خَطَرٌ وَلاَ مِقْدَارٌ. رَوَى أَبُو إدْرِيسَ الْخَوْلاَنِيُّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : {إيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيُذْهِبُ بِنُورِ الْوَجْهِ}. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قوله تعالى: {مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً الا أَحْصَاهَا} إنَّ الصَّغِيرَةَ الضَّحِكُ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: مَنْ كَثُرَ ضَحِكُهُ قَلَّتْ هَيْبَتُهُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: إذَا ضَحِكَ الْعَالِمُ ضِحْكَةً مَجَّ مِنْ الْعِلْمِ مَجَّةً. وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: ضِحْكَةُ الْمُؤْمِنِ غَفْلَةٌ مِنْ قَلْبِهِ. وَالْقَوْلُ فِي الضَّحِكِ كَالْقَوْلِ فِي الْمِزَاحِ إنْ تَجَافَاهُ الانْسَانُ نَفَرَ عَنْهُ وَأَوْحَشَ مِنْهُ، وَإِنْ أَلِفَهُ كَانَتْ حَالُهُ مَا وَصَفْنَا. فَلْيَكُنْ بَدَلُ الضَّحِكِ عِنْدَ الاينَاسِ تَبَسُّمًا. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: التَّبَسُّمُ دُعَابَةٌ.  وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الاينَاسِ مِنْ الضَّحِكِ الَّذِي هُوَ قَدْ يَكُونُ اسْتِهْزَاءً وَتَعَجُّبًا. وَلَيْسَ يُنْكَرُ مِنْهُ الْمَرَّةَ النَّادِرَةَ لِطَارِئٍ اسْتَغْفَلَ النَّفْسَ عَنْ دَفْعِهِ. هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ أَمْلَكُ الْخَلْقِ لِنَفْسِهِ، قَدْ تَبَسَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.

وهناك تعليق لطيف للذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء في ترجمة يحيى بن حماد رحمه الله تعالى، قال: وقال محمد بن النعمان بن عبد السلام :لم أر أعبد من يحيى بن حماد، وأظنه لم يضحك.

قلت : الضحك اليسير والتبسم أفضل، وعدم ذلك من مشايخ العلم على قسمين:

أحدهما : يكون فاضل لمن تركه أدبا وخوفا من الله، وحزنا على نفسه المسكينة.

والثاني : مذموم لمن فعله حمقا وكبرا وتصنعا ، كما أن من أكثر الضحك استخف به ، ولا ريب أن الضحك في الشباب أخف منه وأعذر منه في الشيوخ. وأما التبسم وطلاقة الوجه فأرفع من ذلك كله.

قال النبي صلى الله عليه وسلم :( تبسمك في وجه أخيك صدقة الحديث ).سنن الترمذي.وقال جرير :ما حجبني النبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي ولقد شكوت إليه إني لا أثبت على الخيل فضرب بيده في صدري وقال اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا (صحيح البخاري).

فهذا هو خلق الإسلام، فأعلى المقامات من كان بكاء بالليل ، بساما بالنهار. وقال عليه السلام:( لن تسعوا الناس بأموالكم ، فليسعهم منكم بسط الوجه).صحيح الترغيب.وينبغي لمن كان ضحوكا بساما أن يقصر من ذلك، ويلوم نفسه حتى لا تمجه الأنفس ، وينبغي لمن كان عبوسا منقبضا أن يتبسم ، ويحسن خلقه ، ويمقت نفسه على رداءة خلقه ، وكل انحراف عن الاعتدال فمذموم، ولا بد للنفس من مجاهدة وتأديب.

ولكن ما جاء عن الرسول صلي الله عليه وسلم وأصحابه أحق أن يتبع، وهو يمثل التوازن والاعتدال. وقد قال لحنظلة حين فزع من تغير حاله في بيته عن حاله مع رسول الله صلي الله عليه وسلم، واتهم نفسه بالنفاق : ( يا حنظلة لو دمتم على الحال التي تكونون عليها عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن يًا حنظلة ساعة وساعة.الحديث).صحيح مسلم - كتاب التوبة.وهذه هي الفطرة، وهذا هو العدل.

وروى ابن أبي شيبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: لم يكن أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم متحزقين ولامتماوتين. كانوا يتناشدون الأشعار، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحدهم على شيء من أمر دينه دارت حماليق عينيه كأنه مجنون.

وفي هذا قال الإمام علي رضي الله عنه: إن القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكمة.ابن عبد البر- بهجة المجالس.

 ونقل بن عبد البر عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال : إني لأستجم نفسي بالشيء من اللهو ليكون أقوي لها على الحق.وهذا يعني أن الترويح يمكن أن يكون له بعد تعبدي إذا احتسبه الإنسان قربة لله، أو ليتقوى به على الطاعة.

وقد كان صلي الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقًا.

ويجب أن لا يشتمل الضحك على تحقير لإنسان آخر، أو استهزاء به وسخرية منه ولا يترتب عليه تفزيع وترويع لمسلم.

وعلى المرء ألا يهزل في موضع الجد، ولا يضحك في مجال يستوجب البكاء، فلكل شيء أوانه، ولكل أمر مكانه، ولكل مقام مقال. والحكمة وضع الشيء في موضعه المناسب.

قال الابيرد بن المعذر بن قيس :

إذا جد عند الجد أرضاك جده * * * وذو باطل إن شئت ألهاك باطله !

والباطل هنا يقصد به اللهو والمرح.

وقال آخر:

أهازل حيث الهزل يحسن بالفتي* * * وإني إذا جد الرجال لذو جد !

وقد ورد عن علي رضي الله عنه قوله: أعط الكلام من المزح، بمقدار ما تعطي الطعام من الملح. فالمبالغة في المزاح كالمماراة، كلتاهما تؤدي إلي إيغار الصدور.

وقال سعيد بن العاص لابنه : اقتصد في مزاحك، فالإفراط فيه يذهب البهاء، ويجريء عليك السفهاء، وتركه يقبض المؤانسين، ويوحش المخالطين.

اللهم لك الحمد على نعمة الاسلام حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ملأ السموات والأرض وملأ ماشئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ماقال العبد وكلنا لك عبد اللهم لامانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد.

وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي و لكم ولجميع المسلمين.

قراءة 747 مرات
المزيد في هذه الفئة : « فضل العمل والتكسب