فضل العمل والتكسب

بسم الله الرحمن الرحيم

                                                                                                                                                                                                    ذ عمر أبو مريم

مقدمــة :

في بُدْء الحديث عن مرادات هذا النص النبوي ومكتنَفاته، يلزم التنبيه إلى أن مداليل وفحاوي وقصود النصوص الواردة في بابة الحث على العمل والتكسب -كلها واردة على مساق استقامة أحوال الناس على نحو من السداد، يخوّل سلامة السير في الدنيا للآخرة.

فوردها على هذا السبيل مرعي فيه أن يكون للناس في الدنيا من بالغ العني، وشديد الاحتفاء والاحتفال، وأثير الاهتبال، ما يتقوم بهم مقصد الوجود في هذه الدنيا على نحو لا تضيع به مقاصد الآخرة.

وحديث المقدام المروم الوقوف على بعض ما فيه سالك هذا المسلك، منتح هذا المنحى، والكلام عنه في هذا المتبحّث - واقع على نحو من توظيف بعض قواعد العربية وقواعد الأصول، مما يتهدى به النظر؛ استجلاءا لخبيئة هذا الحديث، واستبطانا لكنينته.

 

سند الحديث ومتنه.

 

 قال البخاري رحمه الله في كتاب البيوع من صحيحه: باب فضل العمل والتكسب:

حدثنا إبراهيم بن موسى، قال أخبرنا عيسى عن يونس عن ثور عن خالد بن معدان عن المقدام رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ("ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داوود كان يأكل من عمل يده[1]").

أما في خصوص المتعلق من مروي ألفاظ الحديث فمشار إلى مالها تعلق بالمعنى في محال من دراسة متنه، معرضا عما لا أثر له في إحالة المعنى.

أما في خصوص المروم مما تضمنه سند الحديث عند أرباب الصناعة الحديثية - فتمت قضايا يشار إليها في هذا البيان، وهي على خصوص رواية البخاري مقصورة.

ـ أولها: أن العنعنة واقعة في سند الحديث في أربعة مواضع، وهي من عيسى بن يونس مبدؤها إلى خاتمة السند.

وهي في مطلقها أي العنعنة محتملة السماع وعدمه، إلا أن الوقوف على تراجم المعنعنين في هذا السند - مزيل لاحتمال عدم السماع، وينضاف إلى ذلك أن البخاري لا يورد السند معنعنا إلا إذا صحّ عنده السماع ممن تقع بينهم العنعنة.

ـ ثانيها: ادعاء الإسماعيلي في مستخرجه على صحيح البخاري وقوع الانقطاع بين خالد بن معدان والمقدام بن معدي كرب رضي الله عنه، باعتبار أن الراوي عن المقدام هو جبير بن نفير وليس خالدا.

وادعاء الإسماعيلي الانقطاع غير متجه، وذلك أنه قد ثبت عند الكفاة من نقدة الحديث سماع خالد من المقدام، وأتبث البخاري نفسه في تاريخه الكبير سماعه أي خالد عن المقدام. وهو الشيء الذي يثبته ابن أبي حاتم الرازي في الجرح والتعديل والعجلي في الثقات، وزاد البخاري في تاريخة إدراكه سبعين من أصحاب محمد، وعلى فرض التسليم بدعوى الإسماعيلي فالعنعنة بينهما محمولة على السماع، وذلك لإجماع أرباب الجرح والتعديل على ثقة من ورد في سند الحديث. ومقرر عندهم أن إضافة الراوي سماعه لمن يسمع منه سبب مسقط لصفة الثقة منه.

ثالثها: أن ثور بن يزيد الشامي وليس ابن يزيد المدني - كان قدريا ولم تمنع البخاري قدريته من الرواية عنه، وذلك لما ثبت من أن الراوي المبتدع إذا لم يكن داعيا إلى بدعته قبلت روايته ما لم تكن البدعة مكفرة على الراجح .

بقي من متعلق طرائف هذا الاسناد أن المقدام هذا ليس له في صحيح البخاري غير هذا الحديث، وآخر في الأطعمة. هذا في خصوص النظر في متعلق الحديث في جانب الصناعة الحديثية.

أما عن الدراسة الاستنباطية في الحديث، فالعمل فيها متهدى على سبيل من النظر في أجزائه قصدا  للمّ معناه انتهاءا.

بيان ذلك فيما يلي:

هذا الحديث دال بتركيبه العربي، وصياغته على سبيل من هذه الشاكلة التركيبية - على حصر أفضلية الحصول على المال في ما كان سبيله العمل والتكسب، وهو المعنى المبتدى من تصدير الحديث ب" ما " الدالة فيما دلت عليه من مداليلها العربية على نفي المعنى عما دخلت عليه، وقصره على ما سواه على ما تقرر من أساليب القصر والحصر عند أرباب الصناعة البلاغية في باب البيان.

وفي خصوص التركيب أيضا فصيغته التركيبية ضامة لما تقرر عند الأصوليين في مباحث الألفاظ من أن النكرة الواردة في سياق النفي تعم، والنكرة في الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم "أحد" وقوله "طعاما".

أما في متعلق اللفظة الأولى فالعموم فيها متنزل على الأشخاص، ومعنى ذلك أن لا أحد تحصل له الخيرية في شيء من طرائق  الحصول على المآكل إلا من حصلها عن طريق عمل اليد والتكسب.

أما اللفظة الثانية فهي قوله صلى الله عليه وسلم "طعاما" وهي عامة لجميع أنواع المطاعم فكل تكسب كيفما كان نوع تكسبه هو مشمول لفظة الطعام الواردة في نص الحديث. وتضمن الحديث أيضا من ألفاظ العربية لفظة " قطّ". والوقوف على معناها في إبراز مدلول الحديث، وكونه في خصوص الحث على التكسب مبني على ما تقرر من معنى العموم في سالف القيل في لفظة "أحد".

أما في خصوص ما دلت عليه مما يوقّع من معناها نحوا - فهي ظرف زمان لاستغراق ما مضى، واشتقاقها من قَطَطْته أي قطعته[2] ومعنى قولك ما فعلته قط أي فيما انقطع من عمري. وهذا المنحى إذا تقرر، تنزل في الحديث على معنى: لم يؤكل من طعام في ما انقطع من أعمار السابقين خير من أن يكون المأكول من عمل الإنسان وكسبه، وقد يبدو في هذا المعنى نوع تعارض مع ما تقرر سابقا من معنى العموم المدلول عليه بألفاظ الحديث. ودفعه يتخرج على وجهين اثنين:

الأول: أن يحمل معناها على عموم الاستغراق استرسالا في الزمان فيكون حكم المستقبل كحكم الماضي  ويكون قوله صلى الله عليه وسلم "من أن يأكل من عمل يده" مؤكدا لهذا المعنى، باعتبار أن "يأكل" مضارع دال بصيغته على الاستقبال والتجدد«.

الثاني: أن يكون إخباره صلى الله عليه وسلم بهذه الخيرية عمن مضى حثا منه على انتحاء هذا المنحى، وتأثر هذا الأثر حتى يحصل للاحقين من الخيرية ما كان للسابقين.

ثم إن هذا الاحتمال كله يسقط بالوقوف على رواية أحمد في مسنده، والطبراني في معجمه الكبير، وفي مسند الشاميين له أيضا. فقد ورد فيها قوله صلى الله عليه وسلم "ما أكل أحد منكم" وهي دالة بصيغتها على توجه الخطاب إلى العموم فتنتفني بذلك دعوى القصور.

أما قوله صلى الله عليه وسلم "خير من أن يأكل من عمل يديه" دال بالمفهوم على نفي الأفضلية على من تحصل له الأكل بيد غيره إلا ما استثني ممن قام به وصف يستقطه عن مقتضى الدخول في مشمول الحث الوارد في الحديث.

فالآكل عن طريق المسألة غير آكل بيده، منفي عن بلازم هذه العبارة من الحديث - شرف الخيرية إلا ما حُلُّل من المسألة لذي الحاجة.

وإضافة العمل إلى اليد ظاهر في الاحتراف، ومباشرة العمل بها، وبمقتضى هذا الظهور فضل البعضُ الأكلَ عن طريق الحرفة كالخياطة والنجارة وغير ذلك من أنواع الحرف؛ لأن فيها مباشرة اليد للعمل. وهذا المعنى غير متجه لأن فيه إخراجا لما يؤول في مآله إلى حقيقة الأكل باليد، فالمتاجر بماله مضاربا ومستثمرا داخل في مسمى العامل المكتسب وإن لم يباشر العمل بيده، لأن مآل صنيعه أن يكون متكسبا لأخذه بأسباب ذلك، فمباشرة العمل باليد وتهيئة أسباب ذلك للغير كله داخل في معنى "بعمل يده".

قوله صلى الله عليه وسلم "أكل" غير مقصور على حقيقة الأكل، وإنما هو ضام لغيره كاللباس والسكنى فكل ذلك من مفاد تكسب المال وأثره. فيكون اللفظ حينئذ جار مجرى الخصوص المقصود به العموم حملا له على الأكل الوارد في قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ياكلون في بطونهم نارا)فليس الوعيد في الآية خاصا بمن أكل مال اليتيم حقيقة، وإنما هو عام في كل ما ضاع به مال اليتيم أكلا كان، أو إتلافا، أو إحراقا، وذكر الأكل خارج مخرج الغالب. فكذلك الشأن في لفظة الأكل الواردة في الحديث.

قوله صلى الله عليه وسلم في بعض روايات هذا الحديث وكان نبي الله داوود لا يأكل إلا من عمل يديه[3] صريح في إفادة الحصر؛ أي قصر المأكول على ما كان سبيله العمل والتكسب. وهو مستلزم لقصر الخيرية عليه دون غيره فيكون بهذا الاعتبار التلازمي مما يسند المذهوب إليه من معنى الحصر المتقدم الكلامُ عنه في مطلع الحديث.

أما وجه تخصيص داود بالذكر دون غيره من الأنبياء فلكونه خليفة في الأرض، قد هيأ الله له من أسباب المكاسب ما لم يهيئه لنبي غيره، وهو مع ذلك مقتصر على الأكل من عمل يده لا لحاجة وإنما للزوم الأفضل. فكان منه ذلك ابتغاء للأكل من طريق الأفضل. ولهذا سيقت قصته مساق الاحتجاج بها على ما تقدم من كون خير الكسب عمل اليد.

هذه المقدمة إذا تقررت أسلمت القول إلى مقدمة أخرى محصلها تقرير قضية من قضايا الأصول في خصيصة الاستدلال على الحكم الشرعي، وهي شرع من قبلنا هل يعتبر شرعا لنا؟ وهي قضية شديدة الاختلاف بين أرباب الأصول؛ لاختلاف معاقد الأنظار لديهم في ذلك، حتى حكى الجويني في برهانه اضطراب المذاهب في ذلك.

وقد رجح البعض أن الاستدلال به متوقف على عدم وجود ناسخ في شريعتنا. فإذا انضاف إلى هذا المذهب كون الشرع قد ورد بامتداحه واستحسانه جرى مجرى النص في الاحتجاج، وعلى هذا يتنزل ذكر قصة داود في الحديث فتكون القصة حينها مسوقة مساق الاحتجاج.

وينضاف إلى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم علل بقصة داود قوله " ما أكل أحد طعاما " ليكون ذكر الشيء بدليله أوقع في نفس سامعه من كونه مجردا عن التعليل.

ويلزم لاستداد الاستدلال بالحديث على كونه في خصوص الحض على العمل والتكسب، والحث عليهما -دفع ما يتبدى من تعارض مفهوم من ظاهر لفظه الحاض على العمل مع حديث التوكل وهو قوله صلى الله عليه وسلم: في حديث عمران في الاسترقاء وفيه "هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم بتوكلون"[4].

وقوله صلى الله عليه وسلم "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا"[5].

ووجه الجمع بين ظاهر النصين أن التكسب لا يقدح في التوكل وذلك بأن التوكل إنما يحصل بأن يثق بوعد الله ويوقن بأن قضاءه واقع ولا يترك اتباع السنة في ابتغاء الرزق مما لابد له منه من مطعم ومشروب.

ويمكن الجمع من جه آخر وهو أن يقال إن التوكل محله القلب وأما الحركة بالظاهر فلا تنافي التوكل بالقلب فيصير الحديثان بمقتضى وجوه الجمع هذه على مسلك من البيان واف منزل كل واحد منهما يتغاير جهة الخطاب فيه منزلة الدليل المستقل.

وإذا انتجزت هذه المعاني كلها من جهة ما دلت عليه أجزاء الحديث  من بيان أفضلية العمل وخيريته المقتضية للحث عليه – فإن كثر من حيث دلالته العامة وجها آخر من المعنى غير المتقدم الحديث عنه وبيان ذلك فيما يلي: وهو أنه إذا كان الحديث في بيان خيرية مطلق العمل والتكسب والحث عليه لزم الحديث عن خير هذه المكاسب المدلول عليها بلفظ العمل في الحديث. أما أصولها كما قال الماوردي فالزراعة والتجارة والصناعة أماكن أطيبها فقد قال الماوردي أيضا إن الأشبه بمذهب الشافعي أن التجارة أطيب ورجح أن تكون الزراعة أطيب لأنها أقرب إلى التوكل ولأنها عمل اليد ولأن نفعها متعد الإنسان إلى غيره من الدواب والطيور، ولعموم الحاجة إليها. ورجح البعض الآخر الاحتراف والذي ينبغي المصير إليه في مثل هذا أن تكون هذه الأطيبية محكومة بمقتضيات أعصر الناس، وأوقاتهم، وأحوال ما هم فيه قاطنون، فرب وضع تهيأت فيه أسباب التجارة لم تتهيأ في غيره، ورب وضع كان الصوغ فيه إلى الصناعة محققا لمقصد الخيرية لم يشتمل عليه وضع آخر، فالمتلخص إذا أن الأطيب في المكاسب متروك الحكم عليه إلى الأحوال والأوضاع. ولهذا ورد العمل في الحديث مطلقا عن التقيد بنوع معين ليشمل كل مكسب تهيأت أسبابه وظروفه. ويبقى تعليل من فضل الزراعة مستساغا حيث يمكن الجمع بينها وبين غيرها.

وتلزم الإشارة في ختم الحديث عن مداليل هذا النص النبوي إلى متعلق الخطاب فيه وهو أنه عام للأفراد كما هو عام لمجموع الأمة. وذلك أن يهيّأ من أسباب التكسب والعمل ما تقوم به حياة الناس اقتضاء تتحقق به الكفاية في ذلك، وإلى هذا المعنى نزع بعضهم[6] فجعل إقامة القدر الذي تتحقق به سلامة حياة الناس في الدنيا من التجارات، والصناعات، والحرف، والعمارات من فروض الكفايات الذي تأثم الأمة في مجموعها إذا تركته.

فوائد  الحديث:

-      إن فضل عمل اليد على سائر المكاسب إنما يتحقق بتحصل نصح العامل، كما في حديث أبي هريرة المروي في صحيح البخاري "خير الكسب يد العامل إذا نصح". فيكون لفظ النصح مقيدا لمطلق الاكتساب.

-       إن في الاكتساب انصرافا إلى الاشتغال بالأمر المباح عن اللهو ومذمة البطالة.



[1] - أخرجه البخاري في كتاب البيوع رقم 2072 .  وأحمد في مسنده برقم : 16799 ، وفي  السنن الكبرى للبيهقي    6/ 125، وفي شرح السنة للبغوي برقم 2026، والطبراني في المعجم الكبير برقم : 631 -632 وأيضا في مسند الشاميين برقم : 432 – 1123 – 1992، والبيهقي في شعب الإيمان برقم 5729 وأخرجه أيضا في الآداب تحت رقم : 1095، وابن عساكر في تاريخ دمشق 16/68

[2] معني اللبيب لابن هشام ص 233 طبعة دار الفكر، بتصرف.

« ويزيد هذا المعنى تأكدا ما ورد في بعض الروايات المتضمنة زيادة على ما في رواية البخاري، وهي رواية أحمد في مسنده، ورواية الطبراني في مسند الشاميين، وفي المعجم الكبير فإنه قد ورد فيهما لفظ الدنيا "ما أكل أحد منكم طعاما في الدنيا" وهي زيادة مخرجة لذلك القصور المفهوم على السابقين.

[3] المعجم الكبير للطبراني، ص 631، رقم الحديث 17049.

[4] أخرجه ا لبخاري (5/2375) رقم 6107 ومسلم (1/198) رقم 218. وأحمد (4/443) رقم 19998 والطبراني (4/56) رقم 3619 والبزار (6/58) رقم 2120.

[5] أخرجه الترمذي في الزهد رقم 2345. وأحمد وابن ماجة وابن حيان والحاكم. قال الترمدي حديث حسن صحيح.

[6] ينظر البركة في السعي والحركة لأبي عبيد الله محمد ين عبد الرحمن الوهابي الحبشي 782.

قراءة 1870 مرات